(  الإمام جابر بن زيد الأزدي)

 

 ولادته

ولد أبو الشعثاء الإمام جابر بن زيد الأزدي الجوفي سنة 18هـ في بلدة (فَرقْ) من أعمال ولاية نزوى ،و ينتسب إلى قبيلة اليحمد الأزدية، وقد كان من بيت علم ومعرفة.

 

 نشأته

تعلّم الإمام جابر بن زيد القرآن ومبادئ اللغة في عمان قبل أن ينتقل إلى البصرة وهناك درس على أيدي كبار العلماء والرواة، وبدأ ينتقل بين البصرة والمدينة المنورة والحجاز بوجه عام، وقد درس على العبادلة ، عبد الله بن العباس، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، كما درس على يد عائشة أمّ المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين. ولقد بلغ مكانة مرموقة في العلم والتفقه قصر عن بلوغها كثير من أقرانه وقد اعتبره علماء الحديث من أئمة السنة، وأجمعوا على ضبطه وعدالته ووصفوه بأنه ثقة، كما حظي بشهادة أكابر الصحابة.

حيث قال فيه (عبد الله بن العباس): (عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن زيد لو قصدوا نحوه لوسعهم علمه).

وقال عنه (ابن العباس) أيضا: (إسألوا جابر بن زيد فلو سأله أهل المشرق والمغرب لوسعهم علمه).

وفي قول ( لإياس بن معاوية): (رأيت البصرة وما فيها مفت غير جابر بن زيد).

وقال(الحصين) لما أبلغ بوفاة جابر (أدنوني من قبره) فلما أدنوه قال (اليوم مات عالم العرب).

وقال (أنس بن مالك) : (مات أعلم من على ظهر الأرض).

وقال (عمر بن دينار): (ما رأيت أحدا أعلم من جابر بن زيد).

 

تلاميذ جابر

من تلاميذ جابر ، أيوب بن أبي تيمية السختاني، وقد سئل ذات يوم عن جابر فقال: ’كان لبيبا لبيبا لبيبا‘ ، ومنهم ثابت بن أسلم البناني و صالح بن إبراهيم الدهّان، وضمّام بن السائب، والربيع بن حبيب الفراهيدي وعاتكة بنت أبي صفرة، وعمرو بن دينار، وأبوب عبيدة مسلم بن أبي كريمة.

 

 ورعٌ وسماتٌ شخصية

وصف صالح الدهان جابرَ بن زيد بأنّه لا يجادل في ثلاث: (في الكراء إلى مكة وفي الرقبة يشتريها للعتق وفي الأضحية)وقال عنه أيضا: (خرج جابر بن زيد لوادٍ فأخذ قصبة من حائط فجعل يطرد بها الكلاب فلمّا أتى بيته وضعها في المسجد ثم قال لأهله(احتفظوا بهذه القصبة فإنني مررت بحائط قوم فانتزعتها منه) قالوا: (سبحان الله يا أبا الشعثاء ما مبلغ القصبة)، فقال: (لو كان كلمن مر بهذا الحائط أخذ قصبة لم يبق منه شيء).

ويروى عنه أنه كلما وقع في يده درهم مزيف كسره ورمى به لئلا يضر به مسلما.

وكان يقول عن نفسه(نظرت في أعمال البِرّ فإذا الصلاة تجهد الجسد ولا تجهد المال والصيام مثل ذلك، والحج يجهد البدن والمال فرأيت أن الحج أفضل عمل).

 

 آثاره العلمية

ترك جابر كتابا ضخما يقع في عشرة أجزاء حتى قيل عنه أنّه يعجز عن حمله البعير، تعرّض فيه لمسائل الأحكام والأحاديث التي رويت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن ضاع هذا الكتاب الجليل ولم يعثر له على أثر.

وللإمام جابر رسائل متفرقة عثر عليها في خزائن الكتب فمنها ما هو موجود في دار الكتب المصرية ومنها في وزارة التراث القومي والثقافة العمانية، وفي المكتبات البريطانية، كذلك فإن فتاويه المتداولة في بطون الكتب هي بلا شك أعظم ما تركه كخدمة للإسلام والمذهب الإباضي.

وقد انتشرت تعاليمه في مختلف الآفاق عن طريق تلاميذه الذين أخذوا عنه ينابيع الحكمة فانطلقوا بها إلى العراق وعمان وحضرموت وخراسان والصين والمغرب.

 

 وفاة الإمام جابر

توفي الإمام جابر بن زيد سنة 93هـ في نفس الأسبوع الذي توفي فيه أنس بن مالك. ولمّا حضرته الوفاة أتاه ثابت البناني وقال له (يا أبا الشعثاء هل تشتهي شيئا ؟) ، فقال: (إني لا أشتهي إلا أن ألقى الحسن البصري قبل أن أموت)، وكان الحسن البصري مستخفيا من بطش الحجاج غير أنه غامر بنفسه وذهب لرؤية جابر، فلما دخل عليه وجده مضطجعا فانكّب عليه وهو يقول: (يا أبا الشعثاء قل لا إله إلا الله) فرفع جابر عينيه فقال: (أعوذ بالله غدوا ورواحا في النار) ثم مضى يقول: (يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا)، فقال الحسن: (هذا والله الفقيه العالم)، ثم قال جابر وهو يحتضر: (حدثني بحديث ترويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المؤمن إذا حضرته الوفاة)، فقال: (إن المؤمن إذا حضرته الوفاة وجد على كبده بردا)، فقال جابر: (الله أكبر إني لأجد بردا على كبدي).

رحمه الله وغفر له.

 

**   **   **