الإمام الصلت بن مالك الخروصي: (237هـ-273هـ)

 

 

1-   مقــــدمة: 

قبل أن نتحدث أيها القارئ الكريم عن حياة الإمام: الصلت بن مالك الخروصي حديثا مستفيضا، يحسن بنا أن نشير إلى أن الإمام الصلت قد عمر طويلا ودامت إمامته حوالي (35سنة). فقد جاء في كتاب كشف الغمة لسرحان بن سعيد الأزكوي: (وعمر الصلت الإمامة ما لم يعمر أحد قبله حتى كبر وأسن وضعف، وإنما كان ضعفه من قبل الرجلين وأما العقل والسمع والبصر فلا نعلم أن أحداً قال بهما ضعف).

إن هذه السنوات الطوال، تميزت بأعمال جليلة عظيمة، تخللت بعض الأحداث المؤلمة في آخر حياته، فالحياة هي محك الرجال لا ترحم الضعيف ولكنها تحترم القوي الذي يكابد ويجاهد ويتحدى مثبتا وجوده وقوته وعدله في مجتمعه، هذه الخصائص تجلت في الإمام المهنا بن جيفر اليحمدي الذي أنتخب سنة (225هـ- 237هـ) قبل الإمام الصلت بن مالك.

كان المهنا رحمه الله إماماً عظيماً، شهماً حازماً كل الحزم في أموره، إذا اجتمعت عنده القوتان البرية والبحرية، وفي حياته عرفت التجارة توسعاً وازدهاراً عظيماً، وهذا بفضل استقرار الأمن في ربوع الوطن.

وعرفت عُمان قوة كبيرة تتكون من ثلاثمائة (300) مركب حربي للرد على العدو الخارجي الغازي الذي طمع كثيرا في خيرات عمان، دون أ، نغفل عن ذكر القوات البرية المتكونة من الجنود، بحيث أن عاصمة الإمامة نزوى وحدها يوجد فيها أكثر من عشرة آلاف (10000) مقاتل مسلحين دائما. ثم إن عمان عرفت زيادة كبيرة في سكانها، وهذا دليل أكيد على الخيرات الوفيرة الموجودة فيها.

وقد حكم الإمام المهنا بن جيفر رحمه الله أحد عشر عاماً، وبعد موته عُيّن الصلت بن مالك الخروصي إماماً.

 

2- الإمام الصلت بن مالك الخروصي: نسبه، مبايعته، أخلاقه:

وهو من اليحمد بويع له بالخلافة سنة (237هـ)، بعد وفاة الإمام المهنا ابن جيفر، وقد حضر في هذه البيعة علماء عمان ووجهاء القوم لاسيما محمد ابن محبوب الذي يعد من أشهر وأعظم علماء عمان في القرن الثالث الهجري.

وهناك علماء آخرون حضروا هذه البيعة كمحمد بن علي القاضي وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة وزياد بن الوضاح، إضافة إلى رؤساء القبائل، إن هذه البيعة التي قدمت من هؤلاء العلماء للصلت لهي دليل أكيد على جدارته وكفاءته ودينه وأخلاقه، لأن الأمة لا يمكن أن تتفق كلها على الضلال، وكان العلماء الأفاضل: محمد بن علي والبشير بن المنذر ومحمد بن محبوب في مقدمة الذين قدموا البيعة للصلت بن مالك الخروصي.

وهكذا فإن انتخاب واختيار الصلت بن مالك كان نتيجة لشروط أساسية توفرت فيه مثل الورع والعلم والكفاءة، وهل يعقل لهؤلاء العلماء الذين ذكرتهم المصادر القديمة أن يبقوا بدون مناصرته ومساعدته في تحمل عبء الأمة الإسلامية. قال أبو قحطان: (أجمعوا على إمامة الصلت وولايته من قدمه من المسلمين ثم أجمعوا على نصرته وتحريم غيبته).

وهكذا أصبحت إمامة الصلت بن مالك قوية راسخة في نفوس العمانيين، بحيث لم يكن هناك اختلاف حولها، وبالتالي لم يكن هناك أي معارضة تذكر مما يدل على استقرار الأوضاع الأمنية والنشاط الثقافي والتجاري والزراعي.

وفي زمان الإمام الصلت بن مالك. تمكن من استرجاع جزيرة سقطرى إلى حظيرة عمان من قبضة النصارى الذين احتلوها.

 

3- الإمام الصلت بن مالك يحرر جزيرة سقطرى ويرجعها إلى سيادة عُمان:

إن جزيرة سقطرى لها موقع استراتيجي قديما وحاضرا، وهي تقع بالقرب من الساحل الشرقي لإفريقيا القريب من القرن الإفريقي فهي تقع إلى الجنوب من شبه الجزيرة العربية غربا، مساحتها (3626 كلم2) وسكانها الآن حوالي (20.000 نسمة) وتنتج البلح والأسماك. ولقد انتشر فيها المذهب الإباضي في القرن الثاني الهجري وهو القرن الذي ساد فيه المذهب الإباضي في حضرموت واليمن وخاصة عمان.

وفي هذا المسار التاريخي، لابد من الإشارة إلى أن هذه الجزيرة تحتل موقعا تجاريا هاما لأنها قطب الرحى بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وغرب جنوب المحيط الهندي، وهكذا فإن المسلمين الأوائل كانوا تجارا ودعاة دين في آن واحد، بحيث أعطوا الدين الإسلامي بعده الحضاري الحقيقي، من خلال سلوكاتهم العملية المتميزة بالأمانة والصدق والإخلاص.

 

عزيزي القارئ:

إن تاريخ هذه الجزيرة لا يزال يكتنفه الغموض بالنسبة إلى ظهور الحركة الإباضية فيها ما عدا ما يشير إليه الشيخ العلامة نور الدين السالمي رحمه الله إلى نقض النصارى للعهد القائم بين المسلمين والمسيحية، إذا يقول: (ونقضوا ما بينهم وبين المسلمين فهجموا على سقطرى وقتلوا والي الإمام وفتية معهم وسلبوا ونهبوا وأخذوا البلاد قهرا فكتبت امرأة من أهل سقطرى قصيدة إلى الإمام الصلت تطلب منه النجدة من خلال القصيدة التي سنراها الآن.

إنها حقا انعكاس للشعور المفعم بالآلام، وهي صرخة مدوية في آذان الغافلين عن مصير الإسلام. تنبه وتوقظ المسلمين من نومهم العميق، يا ليت العالم الإسلامي يسمعها اليوم لينجد المسلمين والمسلمات في فلسطين والهند والبوسنة والهرسك، إن هؤلاء اليوم تحت وطأة النصارى واليهود، وهكذا تقول الزهراء السقطرية:

 

أمسـت سقطرى من الإسلام مقفرة

                                                          بعــد الشرائع والفرقان والكتب

جار النصارى على واليك وانتهبوا

                                                          من الحريم ولم يألوا من السلب

قـــل للإمـــام الذي ترجـى فضائــله

                                                          بــأن يغيث بنـات الدين والحسب

ما بـــال صلت ينــام الليـل مغــتبطاً

                                                          وفي سقطرى حريـم بـاد بـالنهب

يا للرجـــال أغيثـــوا كـل مسلمـــة

                                                          ولو حبوتم على الأذقان والركب

حتــى يعـــود عمـاد الدين منتصباً

                                                          ويهلك الله أهــل الجـور والريب

وثم يصبـح دعى الزهراء صادقة

                                                          بعد الفسوق وتحيى سنــة الكتب

 

ولما سمع الإمام هذه القصيدة المليئة بالآلام تأثر كل التأثر بحياتها النفسية التي تعيشها هذه المرأة المسلمة وأمتها، وهكذا فإن الإمام الصلت جهّز أسطولا بحريا بلغ عدد مراكبه مائة مركب، وعيّن على رأس هذا الأسطول القائد محمد بن عشيرة ونائبه سعيد بن شملال، إن هذا الأسطول تمكن من إعادة الجزيرة إلى سلطة عمان فطرد الأحباش النصارى وعامتها.

أيها القارئ الكريم: تدرك كل الإدراك أن الإمام الصلت بن مالك رحمه الله قد عد العدة وقام بالجهاد أحسن قيام لنصرة إخوانه المسلمين هناك. حيث أسقط الفئة المسيحية التي نقضت العهد الرابط بين السلطة الإسلامية والنصارى.

وعلى أية حال فإنه قد قضى على هذه الفئة الباغية الظالمة، فاسترد السلطة من أيدي الغاصبين وأعاد الكرامة للمسلمين وناصرهم كل النصر اعتمادا على الواجب الإسلامي الذي يدعونا إلى نصرة إخواننا المسلمين في كل مكان وزمان، لنتدبر هذه الآية الكريمة الواضحة يقول الله عز وجل:

( وَمَالكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِسَآءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِيَن يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْناَ مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنك وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً) - النساء: 75-  

وجاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا- ثم شبك رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابعه تأكيدا لمعنى يشد بعضه بعضا) – متفق عليه-.

إن هذه الأدلة الشرعية تدل دلالة قاطعة على الإخاء الإسلامي والتعاون والتناصر بين المسلمين كافة بدون تمييز، ثم إن الإمام الصلت بن مالك قد كتب عهدا أو وصية يوصي بها قواده وجنوده طالبا منهم الالتزام بآداب الإسلام، لاسيما آداب الحرب التي تعكس كرامة الإنسان واحترام إنسانيته خاصة الأسرى من رجال ونساء وشيوخ.

لقد جاء في هذه الوصية ما يلي: (فليكونوا في أسركم آمنين، وأحسنوا إليهم في طعامهم وشرابهم وامنعوهم ممن أرادوا ظلمهم حتى توصلوهم إلى والي المسلمين إن شاء الله). يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم " ألا من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته، أو انتقصه حقه أو أخذ منه شيئاً بغير طيب نفسه فأنا حجيجه يوم القيامة". – رواه أبو يوسف في كتاب الخراج-

المعاهد: (هو من أهل الكتاب) الحجيج (المدافع). ومن هنا يجمل بنا أن نذكر أن الإمام الصلت بن مالك الخروصي رحمه الله، كان ملتزماً أشدّ الالتزام بآداب أخلاق الإسلام فيما ذكرناه سابقاً، إذ يقول رحمه الله: (واعلم أن أهل الذمة تؤخذ منهم الجزية عند انسلاخ الشهر ويؤخذ من سائرهم وأهل السعة من كل واحد منهم درهمان في كل شهر وليس على الصبيان والشيخ الفاني ولا على الفقراء ولا على المرضى ولا على النساء ولا على العبيد).

وبعد هذا التحليل يجدر بنا أن نعالج واجهة أخرى من شخصية الإمام وهي الفكر الأخلاقي عنده.

 

4- الإمام الصلت بن مالك من خلال وصيته لولاته واعتزاله للإمامة:

عزيزي القارئ: اعلم أن الأئمة المسلمين كانوا من عادتهم إرسال رسائل إلى ولاتهم تشتمل على توجيهات قيمة لتسيير شؤون المجتمع دينياً وأخلاقياً واقتصادياً، وهكذا نجد الإمام الصلت بن مالك قد قدم وصية لواليه غسان ابن جليد لما بعثه واليا على الرستاق فقد جاء فيها ما يلي: " إني أوصيك بتقوى الله في سرك وجهرك وأن تكون على أمر الله حدثاً- أي ثابتاً- وفي مرضاته راغباً، وأن تعمل بالعدل في الرعية وأن تقسم بينهم بالسوية.

ثم يقول أنصف الضعيف من القوي والفقير من الغني والعبيد من المولى السيد- وكل حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك- أي الجور ولا ييأس ضعيف من عدلك ولا تكن فظاً غليظ القلب، ولا محتجبا عن مطالب الحق والضعفاء".

إن هذه الوصية تحتوي على عشر صفحات ولكن أخذنا هذه الفقرة فقط، لارتباطها بالعدالة الاجتماعية، ونحن نقول إن هذا النص ضروري ومن خلاله نتمكن من تقديم الحجة القاطعة لإثبات ما نقوله ومن هنا، فإن الإمام الصلت رحمه الله قد ركّز على التقوى في وصيته لغسان بن جليد أحد ولاته- لماذا فضيلة التقوى بالذات؟.

لأنها تكون بلا شك هي الأساس الجوهري في العدالة الإسلامية لأن الإنسان يرصد نفسه ويرغمها على التجرد من الأخلاق الفاسدة كالنفاق والظلم والاستبداد والأهواء وبالتالي تدفعنا إلى الوفاء والأمانة والإخلاص والعدالة.

وفي ضوء هذا فإن الإمام الصلت بن مالك يقول لواليه غسان بن جليد: وأن تعمل بالعدل في الرعية حكماً وسلوكاً، فالعدالة هي السمة الأساسية في الدين الإسلامي، لأن كل نظام اجتماعي لا يقوم على العدالة فهو منهار لا محالة، مهما كانت قوته وبطشه لأنه يتعارض مع كرامة الإنسان.

فالبشر كلهم قد خلقوا من نفس واحدة، فالرسول الكريم كان مثالا في عدالته. وهكذا فإن هذه الأخلاق الخالدة الثابتة في العدالة الإسلامية، حيث انعكس أثرها في وصية الإمام الصلت بن مالك إذ يقول: وكل حق صح معك حتى لا يطمع شريف في حيفك- ولا ييأس ضعيف من عدلك.

ثم إن هذه العدالة قد ربطها بقيمة أخلاقية عظيمة، وهي الرفق والإحسان والرحمة بالضعفاء واليتامى حتى لا يشعروا بأن هناك حاجزا بينهم وبين الحاكم المسلم الصالح.

 

 **     **     **